تحليل من بريت ماكغورك، محلل للشؤون الدولية لدى شبكة، وقد شغل مناصب عليا في مجال الأمن القومي في عهد الرؤساء جورج دبليو بوش، وباراك أوباما، ودونالد ترامب، وجو بايدن.
— في الأسبوع الماضي، وللمرة الأولى في تاريخ البشرية، نجح هجوم شنته طائرات مسيرة (درونز) وروبوتات في السيطرة على موقعٍ للعدو على الأرض. وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي: "لقد حلّ المستقبل"، وذلك بعد وصفه للهجوم الآلي الذي شنته قواته ضد موقع متقدم للقوات الروسية.
ويُعد هذا الحدث التاريخي الأول مفاجأة لموسكو، التي كانت تعتقد -بدعم من إيران- أنها تتقن فن حرب الطائرات المسيرة في أوكرانيا.
وبدلًا من ذلك، تتفوق أوكرانيا الآن على روسيا في مجال الابتكار، تمامًا كما تعمل الولايات المتحدة على إضعاف برامج إيران للطائرات المسيرة والصواريخ، وهي البرامج التي ساعدت روسيا، منذ عام 2023، في مواصلة هجماتها الوحشية ضد المدن والبلدات الأوكرانية.
إن النظر إلى هذين المسرحين للصراع -أوكرانيا وإيران- باعتبارهما مترابطين، من شأنه أن يساعد الولايات المتحدة على الاستعداد بشكل أفضل لحروب المستقبل، والبقاء متقدمة بخطوات على خصومها. وقد يساعد ذلك أيضًا في وضع حدٍ للحرب في أوكرانيا.
لقد كنتُ المنسق الرئيسي للبيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط طوال فترة الأزمة التي اجتاحت المنطقة عقب هجوم حركة "حماس" على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023. ومن كافة الجوانب، كان ذلك الوضع الأكثر تعقيدًا ورعبًا الذي شهدته طوال عقدين من الزمن، ويعود ذلك جزئيًا إلى أن إيران اختارت، منذ البداية، الانخراط في تلك الفوضى ومهاجمة الأمريكيين باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة.
وفي يوم الكريسماس لعام 2023، أسفر هجوم معقد شُنّ باستخدام طائرات "شاهد" الإيرانية المسيرة ضد مواقع أمريكية في شمال العراق، عن إصابة جندي أمريكي بجروح بليغة. وبعد مرور شهر واحد، وتحديدًا في 20 يناير 2024، قتلت طائرة إيرانية مسيرة 3 جنود أمريكيين في الأردن.
وفي الشهر ذاته، وتحديدًا في البحر الأحمر، نجحت البحرية الأمريكية في صد 18 طائرة هجومية مسيرة، وصاروخين مجنحين مضادين للسفن، وصاروخ باليستي واحد مضاد للسفن كان ينطلق بسرعة "4 ماخ". وبفضل الأنظمة الدفاعية ومهارات بحارتنا، لم يُقتل أو يُصب أي أمريكي في ذلك الهجوم.
في الأشهر الأولى من الغزو الروسي لأوكرانيا، قامت إيران بنقل طائراتها المسيرة من طراز "شاهد" إلى روسيا لاستخدامها ضد المدن والبلدات والبنية التحتية الأوكرانية. وفي وقت لاحق، نقلت روسيا تكنولوجيا تصنيع الطائرات المسيرة وأنشأت خطوط إنتاج مشتركة داخل أراضيها. وسرعان ما أصبحت خطوط التجميع هذه تنتج ما يقرب من 400 طائرة مسيرة من طراز "شاهد" يوميًا.
وقد أدى الإنتاج الضخم للطائرات المسيرة الإيرانية إلى شن روسيا هجمات أسراب منتظمة ضد أهداف أوكرانية، وهو أمر لم يشهده العالم من قبل قط. وسرعان ما تبنت إيران التكتيك ذاته، ففي 13 أبريل 2024، أطلقت 180 طائرة مسيرة من طراز "شاهد"، و120 صاروخًا باليستيًا، و30 صاروخ كروز باتجاه المدن الإسرائيلية. ويتمثل الهدف من وراء ذلك في استخدام أسراب الطائرات المسيرة لإرباك الدفاعات الجوية واستنزافها، لتمهيد الطريق أمام الصواريخ الباليستية -الأثقل حمولة والأسرع حركة- لتنفيذ ضرباتها اللاحقة.
على مدار أكثر من 4 سنوات من الحرب -مدفوعةً بضرورة الدفاع عن نفسها- نجحت أوكرانيا في تأسيس صناعة محلية للطائرات المسيرة والدفاع الجوي تضاهي المعايير العالمية. فقد نشأت صناعة دفاعية لامركزية من الصفر -تشارك فيها الأمهات داخل المرائب، والمبرمجون في الشركات الناشئة، والجنود على خطوط الجبهة، حيث يجري الجميع تجاربهم في الوقت الفعلي- لتشكل اقتصادًا للطائرات المسيرة، هجومًا ودفاعًا، أثبتت روسيا عجزها عن مجاراته.
واليوم، ورغم أن روسيا تنتج عددًا أكبر من الطائرات المسيرة يوميًا، فإن أوكرانيا تتفوق عليها بفارق كبير من حيث القدرة على التكيف والفعالية. إذ تهيمن طائراتها المسيرة الآن على خطوط الجبهة، متسببةً في سقوط آلاف الضحايا في صفوف القوات الروسية أسبوعيًا. وكما صرّح أحد الجنود الأوكرانيين لوكالة "رويترز"، فإنه لا يمكن لأي جندي روسي دخول حقل مفتوح دون أن يتعرض لضربة من طائرة مسيرة أوكرانية.
ووفقًا لتحليل حديث صادر عن "معهد هدسون"، تستخدم أوكرانيا نحو 10 آلاف طائرة مسيرة يوميًا في الحرب. وتتمكن هذه الطائرات من توجيه ضربات عميقة داخل الأراضي الروسية، كما تتفوق في مناوراتها على الأنظمة الدفاعية الروسية المتقادمة. وهي تعمل على تدمير الأهداف على خطوط الجبهة، حيث باتت مسؤولة الآن عن نحو 80% من الخسائر البشرية في صفوف القوات الروسية. فضلًا عن ذلك، فهي تحمي أرواح الأوكرانيين، إذ تعمل أنظمة الطائرات المسيرة الدفاعية على إسقاط طائرات "شاهد" المعادية باستخدام طائرات اعتراضية قابلة للتجديد والتعويض.
وفي هجوم وقع الأسبوع الماضي، أفادت التقارير بأن أوكرانيا نجحت في إسقاط 309 طائرات مسيرة من أصل 324 طائرة أطلقتها روسيا.
ومع ذلك، لا تزال روسيا قادرة على شن هجمات أسراب فتاكة ضد أوكرانيا، بما في ذلك هجوم وقع هذا الأسبوع وأسفر عن مقتل 18 شخصًا. ولكن حتى على صعيد الحجم والنطاق، فإن أوكرانيا تسارع الخطى، إذ أعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية عن خطط لتصنيع أكثر من 7 ملايين طائرة مسيرة هذا العام وحده، وهو نطاق إنتاجي تعجز معظم شركات الدفاع الغربية عن مجاراته. كما تتسم الطائرات المسيرة الأوكرانية بفعالية التكلفة، إذ تبلغ تكلفة الطائرة المُعتَرِضة ما يصل إلى 10 مرات أقل من تكلفة طائرة "شاهد" (3000 إلى 5000 دولار، مقابل 20,000 إلى 50,000 دولار)، وذلك وفقًا لتقرير حديث صادر عن "معهد جزيرة الأفعى" (Snake Island Institute)، وهو مركز أمني أوكراني مستقل.
وسط التفسيرات المتباينة للحرب الحالية مع إيران، قدّم وزير الخارجية ماركو روبيو الحجة الأكثر وضوحًا، إذ صرح مؤخرًا بأن إيران قد طوّرت، على مدار العقد الماضي، برنامجًا متطورًا للغاية للصواريخ والطائرات المسيرة، لدرجة أنها كانت ستمتلك قريبًا "درعًا منيعًا" يحمي طموحاتها النووية وجهودها لنشر الإرهاب في جميع أنحاء العالم.
وما قصده بذلك هو برنامج يتقدم من حيث الحجم والتعقيد لدرجة تمكنه من إرباك الدفاعات الجوية القائمة، وردع أي هجوم يهدف إلى إضعاف هذا البرنامج. وهذا ما يسميه المخططون العسكريون "منطقة الحصانة"، وهي حالة تكون فيها إيران قد أرست بنية ردع تجعل برنامجها الصاروخي والعسكري بمنأى عن أي استهداف عسكري.
وعلى مدار العقد الماضي، شهد ما تسميه إيران "برنامجها الجوي الفضائي" تقدمًا هائلًا ومتسارعًا، فقد تضاعفت قدرات صواريخها تقريبًا من حيث الحمولة، والمدى، والدقة، إذ انتقلت من القدرة على إصابة أهداف تقع على مسافة أميال، إلى إصابتها بدقة تصل إلى بضعة أقدام فقط. وما كان في عام 2015 مجرد برنامج تقليدي شبيه بصواريخ "سكود"، تحوّل بحلول عام 2025 إلى نظام استراتيجي يغير قواعد اللعبة، قادر على تحديد الأهداف بدقة متناهية، وجعل أي مواقع أمريكية في جميع أنحاء المنطقة عرضة للهجوم.
وقد لمسنا لمحة من هذا الواقع في الحرب الحالية، التي كان من المرجح أن تكون أشد وطأة وسوءًا بعد سنوات من الآن، لو سُمح لهذا البرنامج بمواصلة تقدمه وفق مساره الخطي المعتاد.
وقد ركزت الحملة الجوية الأمريكية الأخيرة على هذه المنشآت الجوية الفضائية -من مواقع تخزين تحت الأرض، ومراكز إنتاج، ومصانع لقطع الغيار- بهدف إرجاع البرنامج سنوات إلى الوراء، وكسب الوقت اللازم لتمكين الأنظمة الدفاعية من اللحاق بركب التطورات ومواكبتها.
لعل إحدى الصور الراسخة التي ستظل عالقة في الأذهان من "حرب إيران" هي زيارة الرئيس الأوكراني زيلينسكي إلى منطقة الشرق الأوسط، حتى في خضم المرحلة الأكثر احتدامًا من تلك الحرب. فقد زار كلًا من المملكة العربية السعودية، و، وقطر، في وقت كانت فيه كل دولة من هذه الدول -شأنها شأن بلاده- تواجه هجمات بمئات الطائرات المسيرة.
ولم يكن زيلينسكي يقدم مجرد دعم معنوي، بل كان يعرض توفير كوادر بشرية، وخبرات فنية، ونظام دفاعي متكامل صُمم خصيصًا للتصدي لأسراب الطائرات المسيرة الإيرانية. وقد وقّعت هذه الدول الخليجية الثلاث الآن اتفاقيات دفاعية مع أوكرانيا، مسخّرةً مواردها واستثماراتها الضخمة لدعم البرنامج الأوكراني للطائرات المسيرة، الذي يُعد من الطراز العالمي، وهو إنجاز لن تتمكن كل من إيران وروسيا من مجاراته أو منافسته.
لقد أثبت زيلينسكي كيف تترابط وتتشابك خيوط الحرب في إيران مع خيوط الحرب في أوكرانيا. تعمل الولايات المتحدة بشكل ممنهج على استئصال قدرة إيران قصيرة المدى على تصميم وتصنيع وتطوير برامجها للطائرات المسيرة والصواريخ، وفي المقابل، تعمل أوكرانيا بشكل ممنهج على تطوير ونشر الأنظمة اللازمة لمواجهة تلك البرامج ودحرها.
وبالمثل، لم يعد ينبغي للبيت الأبيض أن ينظر إلى هاتين الحملتين باعتبارهما مسارين منفصلين.
إنها لحظة حاسمة يتعين فيها على الشركاء الغربيين توحيد جهودهم لدعم الحلفاء الذين يواجهون تهديدات من روسيا وإيران. إذ إن إضعاف برنامج إيران الصاروخي وبرنامج طائراتها المسيرة، مقترنًا بالابتكارات الأوكرانية -وما قد يترتب على ذلك من تحويل دفة الصراع ضد روسيا- يمثل فرصة فريدة لتحويل ميزان القوى لصالح التحالف الغربي وضد التحالف الخصم المكون من روسيا وإيران (وهما الحرفان RوI في تكتل CRINK، الذي يضم: الصين، وروسيا، وإيران، وكوريا الشمالية).
ولسوء الحظ، يبدو أن واشنطن بصدد إهدار هذه الفرصة، فهي تهدد مرة أخرى بالانسحاب من حلف الناتو، وتلقي باللوم على أوكرانيا في فشل جهود السلام مع روسيا.
وإذا كان ترامب يرغب في أن تترك حملته ضد إيران إرثًا راسخًا ودائمًا، فربما يجدر به أن يتطلع إلى زيلينسكي، القائد الوحيد الذي هبّ لتقديم العون خلال أشد مراحل الحرب ضراوة. فبعد تدمير جزء كبير من القدرات الدفاعية الإيرانية، حان الوقت الآن لتعزيز القدرات الدفاعية لأوكرانيا. ومن خلال القيام بذلك، قد يجد الرئيس أخيرًا ورقة الضغط التي يحتاجها لإنهاء الحرب في أوكرانيا بشكل كامل.
اكاديمية الاعلام الحربي وكالة اخبارية اعلامية دولية