إسرائيل تقر بإصابة أكثر من 140 شخصا خلال ساعات نتيجة الحرب
لدواع أمنية.. "BP" البريطانية تسحب موظفيها من مشاريع نفط كركوك
أسعار الذهب تتراجع في بغداد وتحلق بأربيل
في صباح السادس عشر من آذار عام 1988، لم تكن حلبجة الواقعة على الحدود
العراقية الإيرانية تعلم أن ذلك اليوم سيُخلَّد في الذاكرة الكردية والعالمية
بوصفه أحد أكثر الأيام مأساوية في تاريخ العراق الحديث.
ففي ساعات قليلة، تحولت المدينة الهادئة إلى مسرح لكارثة إنسانية بعدما تعرضت
لقصف واسع بالأسلحة الكيمياوية، خلّف آلاف القتلى والجرحى، وترك آثاراً صحية
ونفسية ما تزال حاضرة حتى اليوم.
مدينة خنقتها الغازات السامة، في ذلك اليوم، شنّت طائرات تابعة للنظام
العراقي السابق هجوماً مكثفاً عليها مستخدمة أنواعاً مختلفة من الغازات الكيمياوية، بينها غاز الخردل وغازات الأعصاب، في إطار العمليات العسكرية التي عُرفت لاحقاً
ضمن حملة "الأنفال".
ووفق تقديرات منظمات دولية وتقارير تاريخية، وتصريحات مديرية الشهداء
والمؤنفلين في محافظة حلبجة فقط أسفر الهجوم عن مقتل أكثر من 5000 مدني خلال ساعات
قليلة، بينما أصيب اكثر من 10000 شخص بحالات اختناق وتسمم متفاوتة الخطورة، فيما
كان معظم الضحايا من النساء والأطفال وكبار السن الذين لم يتمكنوا من الفرار من
المدينة.
ولم تكن تلك اللحظات مجرد قصف عسكري عابر، بل كارثة إنسانية موثقة بالصور
التي جابت العالم، حيث ظهرت عائلات كاملة فارقت الحياة في الشوارع والمنازل، دون
أن تحمل أجسادهم آثار جروح، بعدما باغتتهم الغازات السامة في لحظات.
ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على المجزرة، إلا أن جراحها ما تزال حاضرة في
ذاكرة أهالي المدينة، فيقول احمد مراد وهو أحد ذوي الضحايا في حديث لمراسل وكالة: "كنت طفلاً حينها، لكني لا أنسى ذلك اليوم، فقدنا ثلاثة من أفراد
عائلتنا، بينهم والدتي وشقيقتي، حتى اليوم ما زالت تلك اللحظات تطاردنا، وما زالت
المدينة تحمل آثار تلك الكارثة".
فيما يقول مروان علي وهو أحد الناجين من المجزرة: "نجونا من الموت
يومها، لكننا لم ننجُ من آثار الكيمياوي كثير من الناجين يعانون أمراضاً مزمنة، وبعضهم
فقد أفراداً كثر من عائلته".
ويؤكد عدد من الناجين وعائلات الضحايا أن ما تلقوه من تعويضات لا يوازي حجم
الخسائر التي تكبدوها خلال تلك الفاجعة.
وقال سيروان علي، أحد الناجين من القصف الكيميائي لمراسل وكالة، إن "ما فقدناه في حلبجة أكبر بكثير مما تم تعويضه هناك عائلات فقدت عدة أفراد
دفعة واحدة، ومع ذلك لم يحصلوا على تعويضات عادلة حتى اليوم".
وأضاف أن "الضحايا يطالبون الحكومة العراقية بإنصافهم قانونياً
وتعويضهم بصورة عادلة، أسوة بضحايا جرائم النظام السابق في مناطق أخرى من
العراق".
من جهته، قال مراد أحد ذوي ضحايا الأنفال لمراسل الوكالة، إن "العديد
من العائلات التي تضررت من جرائم النظام السابق في الوسط والجنوب شُملت بقانون
الشهداء، وحصلت على امتيازات وتعويضات جيدة، لكن ضحايا حلبجة والأنفال لم
ينصفوا بالشكل نفسه حتى الآن".
وأشار مراد، إلى أن "عائلات الضحايا تطالب بإدراجهم ضمن قانون
الشهداء وقانون ضحايا النظام البائد، بما يضمن لهم حقوقاً متساوية مع بقية ضحايا
النظام السابق في العراق".
كما دعا الضحايا حكومة إقليم كوردستان إلى "تقديم مزيد من الرعاية
الصحية والاجتماعية للناجين من القصف الكيمياوي، خاصة أولئك الذين ما زالوا يعانون
أمراضاً مزمنة نتيجة التعرض للغازات السامة".
فيما كشف مدير عام دائرة الشهداء والمؤنفلين في محافظة حلبجة، كامران مصطفى، أن "أهالي المدينة ما زالوا منذ 38 عاماً يطالبون بحقوقهم التعويضية من
الحكومتين الاتحادية في بغداد وإقليم كوردستان"، مؤكداً أن "ما حصل عليه
الضحايا حتى الآن لا يتجاوز الرواتب الشهرية وبعض الامتيازات المحدودة".
وبحسب حديث مصطفى، لوكالة، فإن بعض المتضررين حصلوا على دور سكنية
أو قطع أراضٍ سكنية، إلا أنهم لم يتسلموا السلف العقارية اللازمة لبناء تلك
المنازل، الأمر الذي أبقى العديد منهم عاجزين عن الاستفادة من تلك الأراضي.
وفي ما يتعلق بالحالة الصحية للمصابين بالقصف، أوضح أن أوضاع العديد منهم
ما تزال حرجة للغاية، مشيراً إلى أن أعداد الشهداء والجرحى تتغير مع تدهور الحالات
الصحية للمصابين بمرور الوقت.
وتابع قائلاً إن "أكثر من 62 مواطناً من أهالي حلبجة يعانون من مشاكل
خطيرة في قرنية العين ويحتاجون إلى السفر إلى إيران لتلقي العلاج، إلا أن نقص
السيولة المالية حال دون إرسالهم، ما يجعل وضعهم الصحي في غاية الخطورة".
كما لفت إلى أن 80 مصاباً آخرين يحتاجون حالياً إلى أجهزة الأوكسجين بشكل
مستمر، وهي أجهزة تعتمد على الطاقة الكهربائية، في حين لا تتوفر لديهم مستلزمات
الطاقة الكافية لتشغيلها، فضلاً عن احتياجات صحية ومعيشية أخرى.
وأكد مصطفى أن المديرية العامة للشهداء والمؤنفلين في حلبجة بذلت ما بوسعها
لتقديم الرعاية والدعم للضحايا، إلا أن حجم المعاناة يفوق الإمكانيات المتاحة، مبيناً
أن ضحايا القصف الكيماوي باتوا اليوم بحاجة إلى قرارات حكومية سريعة وتوفير سيولة مالية
كافية من أجل تأمين العلاج خارج الإقليم، إضافة إلى تعويض المتضررين وتوفير
المنازل والمستلزمات الأساسية لهم.
وما تزال تداعيات الهجوم الكيميائي تظهر بوضوح في حياة الناجين من المجزرة، إذ يعاني العديد منهم من أمراض مزمنة مرتبطة بالتعرض للمواد السامة.
ويشير أطباء في المنطقة إلى انتشار أمراض مثل السرطان وأمراض الجهاز
التنفسي المزمنة ومشكلات العيون والجلد بين عدد من الناجين، فضلاً عن تسجيل حالات
تشوهات خلقية لدى بعض الأطفال.
ويرى مختصون أن تأثيرات المواد الكيميائية المستخدمة في الهجوم قد تستمر
لعقود طويلة، وهو ما يجعل قضية ضحايا حلبجة واحدة من القضايا الإنسانية المستمرة
حتى اليوم.
من جهته، أكد هاوري نظام وهو ناشط في مجال حقوق ضحايا القصف الكيماوي، لمراسل
وكالة، أن قضية ضحايا حلبجة لا تزال بحاجة إلى مزيد من الاهتمام الدولي.
وطبقاً لحديثه فإن الاعتراف بالمجزرة كجريمة إبادة جماعية خطوة مهمة، لكن
الضحايا ما زالوا ينتظرون إنصافاً حقيقياً، سواء من حيث التعويضات أو توفير العلاج
والرعاية الصحية، مضيفاً أن العديد من الناجين يحتاجون إلى علاج طويل الأمد، فضلاً
عن دعم اجتماعي واقتصادي لعوائل الشهداء.
وبعد سقوط النظام العراقي السابق، اعتبرت المحكمة الجنائية العراقية العليا
الهجوم الكيمياوي على حلبجة جريمة إبادة جماعية، وأدانت عدداً من المسؤولين في
النظام السابق، أبرزهم علي حسن المجيد المعروف بلقب "علي الكيمياوي".
كما اعترفت عدة برلمانات ومنظمات دولية بالمجزرة بوصفها إحدى أبشع الجرائم
ضد الإنسانية في القرن العشرين.
وفي كل عام، يحيي أهالي حلبجة وإقليم كوردستان ذكرى ضحايا المجزرة عبر
فعاليات رسمية وشعبية، تتضمن زيارات لمقبرة الشهداء وإقامة مراسم خاصة لإحياء ذكرى
الضحايا.
ويؤكد ناشطون أن إحياء الذكرى لا يهدف فقط إلى استذكار الماضي، بل يحمل
رسالة إنسانية إلى العالم بضرورة منع استخدام الأسلحة الكيميائية، وضمان عدم تكرار
مثل هذه الجرائم مستقبلاً.
وبينما تمضي السنوات، تبقى حلبجة شاهدة على واحدة من أكثر المآسي الإنسانية
إيلاماً في التاريخ الحديث، فيما يواصل أهاليها المطالبة بالعدالة والإنصاف لضحايا
تلك الفاجعة التي ما تزال آثارها حاضرة في ذاكرة المدينة وسكانها.
وبعد سنوات طويلة من المطالبات الشعبية والسياسية، شهدت مدينة حلبجة خطوة
إدارية تاريخية تمثلت في تحويلها إلى محافظة مستقلة ضمن التقسيمات الإدارية في
العراق.
ففي 29 نيسان/أبريل 2025، صادق رئيس الجمهورية العراقية عبد اللطيف جمال
رشيد على المرسوم الجمهوري رقم (19) الخاص باستحداث محافظة حلبجة، استناداً إلى
أحكام البند (سابعاً) من المادة (73) من الدستور العراقي، وكذلك إلى المادة الأولى
من قانون استحداث محافظة حلبجة في جمهورية العراق رقم (7) لسنة 2025.
وبحسب نص المرسوم، فقد تقرر استحداث محافظة باسم "محافظة حلبجة" في إقليم كوردستان العراق لتكون المحافظة التاسعة عشرة في جمهورية العراق، على أن
يكون قضاء حلبجة مركزاً إدارياً لها، مع إلزام الجهات الحكومية ذات العلاقة بتنفيذ
القرار اعتباراً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية (الوقائع العراقية).
ويمثل هذا القرار اعترافاً رسمياً بالمكانة الإدارية والسياسية للمدينة
التي تحولت إلى رمز عالمي لضحايا الأسلحة الكيميائية، كما أنه جاء بعد سنوات من
إدارتها كـ"محافظة ضمن إقليم كوردستان" دون اعتراف اتحادي كامل.
ورغم دخول قرار استحداث المحافظة حيّز التنفيذ رسمياً، إلا أن محافظة حلبجة
لم تحصل حتى الآن على تمثيل سياسي مستقل في مجلس النواب العراقي بوصفها محافظة
قائمة بذاتها.
فحتى اللحظة، ما تزال حلبجة تُدرج انتخابياً ضمن محافظة السليمانية، الأمر
الذي يعني أن سكانها لا يملكون مقاعد نيابية مخصصة لهم كمحافظة مستقلة في البرلمان
العراقي.
كما أن المحافظة الجديدة لم تشهد حتى الآن تشكيل مجلس محافظة منتخب خاص
بها، ما يجعل العديد من الملفات الإدارية والخدمية تُدار وفق الترتيبات السابقة
إلى حين استكمال الإجراءات القانونية والتنظيمية الخاصة بالمحافظات المستحدثة.
وبحسب البيانات السكانية الأخيرة، يبلغ عدد سكان محافظة حلبجة نحو 140 ألف
نسمة تقريباً، ما يجعلها من أصغر محافظات العراق من حيث عدد السكان والمساحة.
وتبلغ مساحة المحافظة نحو 889 كيلومتراً مربعاً، وتقع في أقصى جنوب شرق
إقليم كوردستان العراق على الحدود مع إيران، ضمن منطقة جبلية تُعد جزءاً من نطاق
هورامان الجغرافي والثقافي.
إدارياً، تتكون محافظة حلبجة بعد استحداثها من عدة أقضية ونواحٍ ومناطق، أبرزها قضاء حلبجة (مركز المحافظة)، قضاء سيروان، قضاء خورمال، قضاء بيارة وقضاء
بمو.
كما تضم هذه الأقضية عدداً من النواحي والمناطق الريفية والقرى الجبلية
المنتشرة في منطقة هورامان، والتي تعتمد في اقتصادها المحلي على الزراعة والتجارة
الحدودية والسياحة الطبيعية.
ويرى باحثون في الشأن الإداري أن تحويل حلبجة إلى محافظة يمثل خطوة مهمة
نحو تعزيز التنمية المحلية وإعادة الاعتبار لمدينة عانت لعقود من آثار الإبادة
الكيميائية، إلا أن ذلك يتطلب استكمال البنية المؤسسية للمحافظة، بما يشمل تخصيص
مقاعد برلمانية، وتشكيل مجلس محافظة، وتوسيع المؤسسات الخدمية والإدارية فيها.
وبينما يحيي أهالي المدينة كل عام ذكرى الفاجعة التي هزّت ضمير العالم، يأمل كثير منهم أن يشكل تحويل حلبجة إلى محافظة مستقلة بداية مرحلة جديدة من
الإنصاف والتنمية، بعد عقود طويلة من الألم والإهمال.
وقبل وقوع القصف الكيمياوي في 16 آذار 1988، كانت مدينة حلبجة تُعد من
المدن الكوردية النشطة في المنطقة الحدودية، إذ تشير تقديرات تاريخية إلى أن عدد
سكان المدينة كان يتراوح بين 65 ألفاً و75 ألف نسمة تقريباً، إضافة إلى آلاف
المدنيين الذين نزحوا إليها من القرى المحيطة خلال المعارك التي دارت آنذاك في
المنطقة.
غير أن الهجوم الكيمياوي الذي شنته قوات النظام العراقي السابق أدى خلال
ساعات قليلة إلى مقتل ما بين 3200 و5000 مدني، بينما أصيب آلاف آخرون بحالات
اختناق وتسمم، ما تسبب في موجة نزوح واسعة وهجرة قسرية من المدينة.
وبعد المجزرة، تراجع عدد سكان حلبجة بشكل كبير نتيجة الوفيات والنزوح
الجماعي، حيث تشير تقديرات باحثين ومؤسسات حقوقية إلى أن عدد سكانها انخفض إلى أقل
من 30 ألف نسمة خلال السنوات الأولى التي أعقبت الهجوم، قبل أن تبدأ المدينة
تدريجياً باستعادة جزء من سكانها بعد انتفاضة عام 1991 وعودة آلاف العوائل إليها.
ولم تكن مأساة حلبجة معزولة عن سياق أوسع من العمليات العسكرية التي نفذها
النظام العراقي السابق ضد المناطق الكوردية، إذ جاءت المجزرة ضمن إطار حملة
الأنفال التي استهدفت مناطق واسعة من كوردستان العراق في أواخر ثمانينيات القرن
الماضي.
ووفق وثائق تاريخية وتقارير منظمات حقوقية، فإن منطقة حلبجة والمناطق
الجبلية المحيطة بها شهدت تدمير عشرات القرى بشكل كامل خلال تلك الحملة، حيث تشير
التقديرات إلى أن ما بين 45 و60 قرية في محيط حلبجة وهورامان تعرضت للتدمير أو
الإخلاء القسري.
كما تم تهجير آلاف السكان من تلك القرى إلى مجمعات سكنية قسرية، في حين
اختفى عدد كبير من الأهالي خلال عمليات الأنفال التي طالت مناطق واسعة من إقليم كوردستان.
ويعتقد مختصون في تاريخ الأنفال أن ما تعرضت له حلبجة والقرى المحيطة بها
شكّل واحدة من أكثر الصفحات دموية في تاريخ الصراع العراقي الحديث، إذ لم يقتصر
الأمر على القصف الكيمياوي، بل امتد ليشمل التهجير القسري وتدمير البنية السكانية
والاقتصادية للمنطقة.
–
اكاديمية الاعلام الحربي وكالة اخبارية اعلامية دولية